أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
362
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 111 إلى 113 ] يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ ( 113 ) قوله : يَوْمَ تَأْتِي . يجوز أن ينتصب ب « رَحِيمٌ » ولا يلزم من ذلك تقييد رحمته بالظرف ، لأنه إذا رحم في هذا اليوم ، فرحمته في غيره أولى وأحرى ، وأن ينتصب ب « اذكر » مقدّرة ، وراعى معنى كل فأنث الضمائر في قوله « تُجادِلُ » إلى آخره ، ومثله : 3047 - جادت عليه كلّ عين ثرّة * فتركن كلّ . . . . . . . . . . . . . . . « 1 » إلّا أنه زاد في البيت الجمع على المعنى . وقد تقدم ذلك في أول هذا الموضوع . وقوله : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » حمل على المعنى فلذلك جمع . قوله : وَالْخَوْفِ . العامة على جر « الْخَوْفِ » نسقا على « الْجُوعِ » ، وروي عن أبي عمرو نصبه ، وفيه أوجه : أحدها : أن يعطف على « لِباسَ » . الثاني : أن يعطف على موضع « الْجُوعِ » لأنه مفعول في المعنى للمصدر ، التقدير : أي : ألبسهم الجوع والخوف ، قاله أبو البقاء . وهو بعيد ، لأن اللباس اسم ما يلبس ، وهو استعارة بليغة ، كما سأنبهك عليه . الثالث : أن ينتصب بإضمار فعل ، قاله أبو الفضل الرازي . الرابع : أن يكون على حذف مضاف ، أي : ولباس الخوف ، ثم حذف ، فأقيم المضاف إليه مقامه ، قاله الزمخشري . ووجه الاستعارة ما قاله الزمخشري : « فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان ، فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟ قلت : الإذاقة جرت عندهم مجرى الحقيقة ، لشيوعها في البلايا والشدائد ، وما يمس الناس منها ، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضّرّة ، وإذاقة العذاب : شبه ما يدرك من أثر الضّرر والألم بما يدرك من طعم المرّ والبشع ، وأما اللباس فقد شبه به ، لاشتماله على الملابس : ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأمّا إيقاع الإذاقة على « لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ » فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى عنهما ويلابس ، فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في هذا طريقان : أحدهما : أن ينظروا فيه إلى المستعار له ، كما نظر إليه ههنا ، ونحو قول كثير :
--> ( 1 ) تقدم .